كسر التعيين الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري في منصب رئيسة الحكومة “نمطا سياسيا” ساد لعقود، بعدما ظلت رئاسة السلطة التنفيذية بالمغرب حكرا على الرجال، ليشكل بذلك محطة بارزة في مسار حضور المرأة المغربية في مواقع القرار السياسي والمؤسساتي.
وتعاقبت على تدبير الشأن العام في المغرب، منذ الاستقلال، حكومات عدة آلت رئاستها إلى قيادات سياسية رجالية، دون تسجيل أي مساس بهذا التقليد على مدار عقود، إلى أن جاء التعيين الملكي لمنسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة في هذا المنصب ليبصم على حضور نسائي هو الأول من نوعه في أعلى هرم السلطة التنفيذية.
ورغم عدم وصول النساء إلى منصب رئاسة الحكومة فيما مضى، فقد كنّ حاضرات في الحكومات السابقة، ولا سيما تلك التي تشكلت في عهد الملك محمد السادس، سواء بصفة وزيرات أو كاتبات للدولة.
ويرى رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية، أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة الجديدة “يشكل لحظة ذات دلالة رمزية وسياسية قوية، على اعتبار أنه يكسر نمطا تاريخيا ظل فيه الموقع الأول داخل السلطة التنفيذية حكرا عمليا على الرجال”.
وأوضح لزرق، في تصريح لهسبريس، أن “أهمية مثل هذه اللحظات في علم السياسة لا تقاس فقط بالشخص الذي يصل إلى المنصب، بل بما تعنيه من إعادة تعريف لمن يعتبر مؤهلا لتولي أعلى المسؤوليات الحكومية”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “انتقال امرأة إلى رئاسة الحكومة يوسع، على المستويين الرمزي والمؤسساتي، حدود الممكن السياسي أمام النساء، ويبعث برسالة مفادها أن الوصول إلى قمة الهرم التنفيذي لم يعد مرتبطا حصرا بالبنية الذكورية التقليدية التي طبعت الحياة السياسية لعقود”.
وتابع قائلا: “يمكن قراءة هذا التطور باعتباره مؤشرا على تراكم طويل في مسار إدماج النساء في المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار؛ فتمكين المرأة لا يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر مسار تراكمي يشمل الإصلاح القانوني، وتوسيع المشاركة السياسية، وارتفاع تمثيلية النساء داخل الأحزاب والبرلمان والجماعات الترابية ومواقع المسؤولية الحكومية”.
بناء على ذلك، يعتقد أستاذ العلوم السياسية بأن “وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن اعتباره إحدى الثمار السياسية لهذا المسار، خصوصا إذا تم النظر إليه في سياق التحولات التي عرفها وضع المرأة المغربية خلال العقود الأخيرة”.
وزاد: “غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في رمزيته وحدها، بل في مدى قدرته على تحويل الحضور النسائي من استثناء سياسي بارز إلى قاعدة أكثر رسوخا داخل بنية السلطة وصنع القرار”.
في السياق ذاته، أكد رشيد لزرق على ضرورة “التمييز بين الوصول التاريخي إلى المنصب وبين تحقق التمكين السياسي الكامل”، معتبرا أن “التمكين لا يعني فقط أن تتولى امرأة أعلى منصب حكومي، وإنما أن تصبح مشاركة النساء في القيادة السياسية أمرا طبيعيا ومستداما، وأن تتوفر لهن داخل الأحزاب والمؤسسات شروط متكافئة للترشح والقيادة والتأثير في السياسات العامة”.
وإذا نجح هذا التحول في ترسيخ تلك الدينامية، يورد المصرح نفسه، فإن “دلالته ستتجاوز البعد الرمزي لتصبح مؤشرا على تغير أعمق في الثقافة السياسية المغربية نفسها: من منطق حضور المرأة بوصفه إنجازا استثنائيا إلى اعتبار قيادتها للحكومة أو المؤسسات الكبرى جزءا عاديا من التداول على المسؤولية السياسية”.
من جانبها، أفادت شريفة لموير، عضو مركز شمال إفريقيا للدراسات والبحوث وتقييم السياسات العمومية، بأن تعيين رئيسة للحكومة في المغرب هو حدث تاريخي غير منفصل عن المسار الذي عرفه حضور المرأة داخل المشهد السياسي على عهد الملك محمد السادس.
وأكدت لموير، في تصريح للجريدة، أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في هذا المنصب يأتي تتمة لوصول وجوه نسائية إلى عدد من المناصب المهمة، فقد تولت زليخة نصري، في وقت سابق، منصب المستشار الملكي.
وبهذه المناسبة، شددت المتحدثة ذاتها على أن النقاش اليوم يجب أن ينصب على مدى القدرة على تحمل المسؤولية وتدبير الشأن العام.