الغضب وراء المقود .. بين الضغوط النفسية والتأثيرات الاجتماعية

الغضب وراء المقود .. بين الضغوط النفسية والتأثيرات الاجتماعية

منبهات السيارات تدوي، وصراخ السائقين يتعالى في الطريق، في حين تتحول إشارة الضوء الأخضر إلى فرصة ضائعة بسبب الاكتظاظ المروري، بات الوضع أشبه بسباق، الكل يسارع للوصول إلى وجهته، والكل يقع تحت ضغط الوقوف في المدارات، وإشارات المرور، لتتزايد العصبية مع كل دقيقة ولتبدو الأعصاب في حالة تأهب قصوى

تعتبر القيادة في أوقات الذروة من أكثر الأوقات التي يعيش فيها السائقون درجة عالية من التوتر والانفعال، ليختبروا قدرتهم على التحكم في الأعصاب، باعتبار أن ازدحام الطرق وضغط الوقت يشكلان بيئة خصبة لظهور التوتر. ويوضح الأخصائيون النفسيون وجود علاقة مباشرة بين التوتر اليومي وبين السلوكيات العدوانية في الطريق. عندما يواجه السائقون مواقف تسبب لهم القلق مثل التأخير أو خطر حدوث حادث، فإن الغضب يكون رد الفعل الأول

عندما يعكس الغضب مشكلة نفسية أعمق

أوضح محمد البرودي، الأخصائي النفسي الإكلينيكي، أن الغضب أثناء السياقة ليس مجرد رد فعل عابر على مواقف معينة، بل هو نتيجة تراكم الضغوط النفسية والاضطرابات اليومية التي يواجهها الفرد، سواء على المستوى الشخصي أو المهني، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة والمتطلبة

وأشار البرودي في تصريحه لـ، إلى أن هناك عدة عوامل تساهم في تفاقم نوبات الغضب على الطريق، من بينها التوتر، والقلق النفسي، والضغوط العائلية والمهنية، بالإضافة إلى الشعور بالإحباط وفقدان السيطرة، مما يؤدي إلى اختلال التوازن النفسي للسائق

وأكد البرودي أن اختلاف أنماط الشخصية له دور رئيسي في تحديد كيفية استجابة الأفراد لمواقف القيادة، مفسرا: “بينما يتمتع بعض مستعملي الطريق بقدرة على ضبط النفس والتحكم في الانفعالات، نجد أن البعض الآخر، خاصة من يتسمون بشخصية عصبية، يكونون أكثر عرضة للغضب والانفعال المبالغ فيه

وأشار البرودي إلى أن تكرار نوبات القلق بشكل مستمر، وعدم القدرة على التحكم في الانفعالات، قد يشير إلى مشكلة نفسية عميقة، تستدعي تدخلا علاجيا عبر استشارة أخصائي نفسي لتقديم دعم يعتمد على تقنيات الاسترخاء والتأهيل النفسي

من جهته، أشار فيصل الطاهري، الأخصائي النفسي، إلى أن فترات الصيام، تؤثر على الحالة المزاجية للسائقين. وأوضح أن نقص النوم وتغير النظام الغذائي يؤديان إلى انخفاض مستوى السكر في الدم، مما يُحفز إفراز هرموني الكورتيزول والأدرينالين، وهما مسؤولان عن زيادة التوتر والانفعال

وأضاف الطاهري في تصريحه لـ، أن المدخنين ومستهلكي الكافيين (الشاي والقهوة) يصبحون أكثر عرضة للغضب والتوتر في الطريق بسبب أعراض الانسحاب الناتجة عن الامتناع عن هذه المواد أثناء الصيام، ما يجعلهم أكثر عرضة للتهور والتصرفات العدوانية

;وشدد الطاهري على أهمية التحلي بالوعي الجماعي والتدريب على التحكم في الأعصاب، إلى جانب التحلي بالتسامح والصبر في التعامل مع الآخر

كما نصح بضرورة التخطيط المسبق للمسار للتحكم في الوقت، من خلال تجنب المناطق المزدحمة أو تحديد وقت السفر بشكل مبكر. كما يوصي بضمان راحة النوم، وتجنب الضغوط النفسية، إلى جانب ممارسة تمارين الاسترخاء مثل التنفس العميق، للمساعدة في تهدئة الأعصاب وتجنب السلوكيات العدوانية على الطريق

الضغوط الاجتماعية وتأثيرها على القيادة

يوضح عبد الفتاح الزين، باحث في علم الاجتماع أن الانفعال المرتبط بالقيادة، يتضاعف بالموازاة مع المواسم العقدية والاجتماعية كما هو الحال في التحضير للمناسبات والأعياد، وأيضا في العطل، حيث يتضاعف الضغط الاجتماعي على الأفراد، فالتوتر الناجم عن الالتزامات العائلية والاجتماعية، مثل التحضير للإفطار أو السفر لزيارة العائلة، أو الرغبة في قضاء العديد من الأغراض في الوقت بين الانتهاء من العمل والإفطار، يزيد من الشعور بالاستعجال. هذه الضغوط تساهم في تفاقهم هذه الظاهرة

ويضيف الزين في تصريحه لـ: “في هذه الفترات، غالبا ما يتسابق السائقون للوصول إلى وجهاتهم في الوقت المحدد، مما يولد حالة من التنافس غير المبرر على الطريق، ويساهم في تأثر التفاعلات الاجتماعية بشكل ملحوظ

وسلط عبد الفتاح الزين الضوء على بعض الأسباب الاجتماعية والنظامية التي تُسهم في زيادة الانفعال أثناء القيادة، مشيرا إلى أن جودة البنية التحتية تعتبر عاملا أساسيا في خلق مواقف تثير الغضب، حيث أن الأشغال الطرقية المستمرة أو الطرقات ذات الجودة المنخفضة تزيد من معاناة مستعملي الطريق وتخلق شعورا بالاستفزاز. كما أشار إلى عدم احترام علامات التشوير يساهم في عرقلة السير

كما تحدث الباحث في علم الاجتماع عن دور السيارة في إثارة الغضب، حيث أشار إلى أن مشاكل السيارة، مثل الأعطال المتكررة أو ضعف الأداء، تساهم في شعور المواطن بالإحباط وتفاقم التوتر أثناء القيادة، مما يزيد من العنف اللفظي أو التهور في التصرفات

كما أوضح الزين أهمية التنشئة الاجتماعية في تكوين سلوك المواطن على الطريق؛ “إذا كان الشخص قد نشأ في بيئة تعليمية تحث على الصبر والاحترام المتبادل، فإن ذلك سينعكس على سلوكه أثناء القيادة. أما إذا كانت التنشئة غير قادرة على تعزيز التعامل مع الضغوط أو كانت تدعم العدوانية في سلوك الفرد، فسيكون من الصعب عليه التحكم في غضبه أثناء القيادة

وتطرق السوسيولوجي أيضا إلى أهمية الصحة النفسية والجسدية للسائق، حيث أن الشخص الذي يعاني من ضغوط نفسية أو مشاكل صحي

ة قد يكون أكثر عرضة لردود الفعل العدوانية في المواقف اليومية مثل القيادة. إوأضاف أن العوامل السوسيو-ثقافية تلعب دورا كبيرا في كيفية استجابة الأفراد للمواقف المرهقة، حيث يختلف سلوك القيادة من مجتمع لآخر بناء على القيم الثقافية ومدى تسامح الأفراد مع الضغوط