أطلقت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة نداء موجَّهاً إلى الرأي العام والحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية وجميع المؤسسات، إزاء الممارسات التعسفية والمنافية للمنافسة التي تمارسها شركات المحروقات العاملة في المغرب، في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، جاء فيه مايلي:سياق جيوسياسي يُوظَّف لأغراض مضاربية
أفضت النزاعات المسلحة التي تشهدها منطقة الخليج، ولا سيما الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فضلاً عن التوترات المتواصلة في الخليج العربي، إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار برميل النفط في الأسواق الدولية. غير أن هذه الأزمة الجيوسياسية، مؤسفة كانت إنسانياً وسياسياً، باتت تُوظَّف بشكل سافر من قِبَل بعض شركات المحروقات العاملة بالمغرب لتبرير رفع تعسفي للأسعار، في حين أن الظروف الفعلية لتموينها لا تُسوِّغ ذلك بأي شكل من الأشكال.
خرق صريح للالتزامات التنظيمية
تجدر الإشارة إلى أن دفاتر التحملات التي تفرضها الدولة المغربية على شركات المحروقات تُلزمها بتكوين والمحافظة على احتياطيات استراتيجية تعادل 60 يوماً من الاستهلاك قبل مزاولة نشاطها في السوق الوطنية. ويرتكز هذا الإطار التنظيمي على الظهير المتعلق بالقانون رقم 1-72-255، الذي يُحدد هدف 60 يوماً من مخزون الأمان للمحروقات.
بيد أن هذه الشركات لا تحتفظ حالياً إلا بـ 30 يوماً من الاحتياطيات، أي نصف المخزون التنظيمي الإلزامي. وقد تم تكوين هذه الاحتياطيات منذ حوالي شهر، بأسعار سابقة للتصعيد العسكري في الخليج، أي بتكاليف شراء أدنى بكثير من الأسعار الحالية.
الواقع إذن لا لبس فيه: هذه الشركات تبيع اليوم وقوداً اشترته بأسعار منخفضة، متذرعةً بالحرب لفرض أسعار تعكس أسعاراً لم تتحملها أصلاً. إنها مناورة مضاربية لا يمكن قبولها بأي حال.
ممارسة متكررة تُنهك المقاولات الصغيرة جداً والمقاولين الذاتيين
للأسف، هذا الوضع ليس جديداً. فحين تندلع أزمة ما – حرب أو جائحة أو صدمة مناخية – تسارع هذه الشركات إلى تحميل المستهلكين ارتفاع الأسعار فوراً بدراهم. في المقابل، حين تنحسر التوترات وتنخفض أسعار البرميل إلى مستوياتها الطبيعية، تُخفِّض أسعارها بسنتيمات معدودة فحسب.
هذه الممارسة غير المتكافئة هيكلياً تُدر أرباحاً استثنائية على حساب المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة والمقاولين الذاتيين والمغاربة مباشرة، الذين يعانون من تداعيات متتالية: ارتفاع تكاليف النقل، وغلاء المواد الأولية، وتضخم أعباء الاستغلال. تؤدي هذه التكاليف الإضافية حتماً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مما يضعف الطلب لدى الأسر التي تعاني بالفعل من تآكل قدرتها الشرائية. وينتج عن ذلك تقليل الاستهلاك، مما يؤدي إلى انخفاض الطلبات لدى المقاولات، و خصوصًا الملايين من المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، إضافةً إلى المقاولين الذاتيين.
فوضى 15 و16 مارس 2026
مثّل مساء الأحد 15 مارس 2026 وفجر الإثنين 16 مارس فضيحة لا مثيل لها، كاشفة عن مدى الانهيار الذي بلغه هذا القطاع. وتُدين الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة بأشد العبارات الوقائع التالية التي رُصدت في مختلف أنحاء التراب الوطني :
*أقدمت الغالبية العظمى من محطات الوقود على رفع أسعارها بشكل استباقي وغير مشروع بمقدار درهمين للتر قبل تاريخ 16 مارس 2026، دون أي ترخيص رسمي أو نشر تنظيمي مسبق؛
*أغلقت محطات عديدة أبوابها عمداً طوال ليل 15 مارس، رافضةً تزويد المواطنين والمهنيين بالوقود بالأسعار السارية المفعول آنذاك، لتُعيد فتح أبوابها صباح 16 مارس بالأسعار المرتفعة الجديدة؛
*لم تحترم إلا أقلية ضئيلة جداً من المحطات التزاماتها القانونية بالحفاظ على الأسعار المحددة حتى منتصف الليل وفق القواعد المعمول بها. وهذه المحطات القليلة الشريفة تستحق التنويه، إذ مثّلت استثناءً نادراً في قطاع يسوده الفوضى التامة.
*في كل أزمة، ترفع هذه الشركات أسعارها بعدة دراهم مستغلةً الظروف. غير أنه حين تنتهي الأزمة ويعود سعر برميل النفط إلى مستواه الطبيعي في السوق العالمية، لا تخفِّض هذه الشركات أسعارها إلا بسنتيمات معدودة.
تُشكِّل هذه السلوكيات مخالفات صريحة للتنظيم المعمول به. كان ينبغي أن تستوجب رقابة فورية ومحاضر ضبط وعقوبات من الجهات الإدارية المختصة. غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث. تخلَّت الإدارة عن دورها الرقابي كلياً، تاركةً المجال مفتوحاً أمام خرق جماعي ومنظَّم لقواعد المنافسة وحماية المستهلك.
مقاولات على حافة الانهيار بعد سنوات من الأزمات المتتالية
لا بد من استحضار السياق الذي تعمل فيه مقاولاتنا الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولون الذاتيون. فمنذ سنوات، واجهوا دون دعم حكومي، سلسلة من الصدمات غير المسبوقة :
جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية المديدة؛
سبع سنوات متتالية من الجفاف أضعفت سلسلة التوريد الغذائي والزراعي بأكملها؛
الحرب في أوكرانيا واضطراب أسواق المواد الأولية؛
سنوات من التضخم المستمر الذي أفقد المقاولات الصغيرة هامش ربحها.
الحصيلة الاقتصادية لهذه الأزمات المتراكمة باتت مُقَنَّنة ومُقلِقة للغاية. فخلال أربع سنوات فحسب، اختفت ما يزيد على 150.000 مقاولة:
سنة 2022 : أكثر من 25.000 مقاولة (أشخاص معنوية وذاتية) أُعلن إفلاسها، منها 99% مقاولات صغيرة جداً ؛
سنة 2023 : أكثر من 33.000 مقاولة (أشخاص معنوية وذاتية) أُعلن إفلاسها، منها 99% مقاولات صغيرة جداً ؛
سنة 2024 : أكثر من 40.000 مقاولة (أشخاص معنوية وذاتية) أُعلن إفلاسها، منها 99% مقاولات صغيرة جداً ؛
سنة 2025 : 52.000 مقاولة (أشخاص معنوية وذاتية) أُعلن إفلاسها، منها 99% مقاولات صغيرة جداً.
وإذا أضفنا إلى هذه الصورة الأزمةَ الراهنة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود، فإن التوقعات تبدو كارثية. قد يتجاوز عدد الإفلاسات 60.000 مقاولة خلال سنة 2026، وأكثر من 200.000 مقاولة على مدى السنوات الأربع الأخيرة، ومعها مئات الآلاف من مناصب الشغل، إن لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة للحد من تداعيات هذه الأزمة على ملايين المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين.
ويزيد من وطأة هذا الواقع أن 2026 سنة انتخابية. وتُثبت التجربة أنه في مثل هذه الفترات، لا يُطلَق أي برنامج ولا تُتَّخذ أي إجراء حكومي ذو بال في اتجاه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين، في انتظار تشكيل حكومة جديدة. وهكذا ستجد هذه المقاولات نفسها مرة أخرى، وحيدة في مواجهة مصيرها، كما حدث سنة 2020 إبان أزمة كوفيد-19 والجفاف، ومعها السنة الانتخابية 2021.
إن مقاولاتنا الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين لم تعد تستطيع امتصاص أزمات جديدة دون مرافقة جادة ومنظَّمة من الدولة. إن صمت الحكومة وتقاعسها، ولا سيما وزارة المقاولة الصغيرة، أمام هذه المعاناة وأمام الارتفاع غير المراقَب لأسعار الوقود و سيليها التضخم و ارتفاع اسعار المواد الأوليّة، يُمثِّلان ضرباً من التخلي غير المقبول عن ملايين المقاولين المغاربة والمواطنين.
مطالبنا وانتظاراتنا
تُصيغ الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة المطالب الآتية بصفة رسمية:
إلى الحكومة والدولة المغربية:
التدخل الفوري لتأطير وتنظيم أسعار الوقود في المحطات، مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف الشراء الحقيقية للمخزونات التي تحتفظ بها شركات المحروقات حالياً؛
إجراء تدقيق مستقل في مستويات مخزون شركات المحروقات والتحقق من مدى امتثالها للالتزام بـ 60 يوماً المنصوص عليه في دفاتر التحملات عوض 30 يوم المعمول به حاليا؛
الإعلان عن برنامج مرافقة ملموس ممول لدعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين في مواجهة الصدمات الاقتصادية المتكررة.
إلى مجلس المنافسة:
فتح تحقيق معمَّق دون تأخير في الممارسات التعريفية لشركات المحروقات والبنوك ومشغلي الاتصالات وشركات التأمين، التي تخنق الاقتصاد الحقيقي بسلوكياتها الاحتكارية؛
التوقف عن تركيز أعمال الرقابة على الهياكل الصغيرة والانتقال إلى مواجهة الكبار بنفس الحزم إزاء ممارساتهم المنافية للمنافسة المُدانة مراراً وتكراراً؛
* إتاحة الفرصة لقطاع الصيدلة للتطور، بالتنسيق مع المنظمات التمثيلية للصيادلة، دون عراقيل مصطنعة تحول دون المنافسة.
نداء إلى التعبئة العامة
تدعو الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى تعبئة فورية لجميع الأطراف المعنية بهذه الزيادات التعسفية في أسعار الوقود، التي تجري دون تنظيم فعلي أو رقابة حقيقية: الجمعيات المهنية، وغرف التجارة، والنقابات، ومنظمات المستهلكين، وممثلو الأمة.
في مواجهة هؤلاء اللوبيات النافذة التي تستغل الأزمات لتثري نفسها على حساب المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين والمواطنين المغاربة، لا يمكن أن يكون الرد إلا جماعياً حازماً ومنظَّماً.